مجمع البحوث الاسلامية

554

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لكنّنا لا نقطع بذلك « 1 » . بل المقطوع به أنّ أنوشروان كان يأخذ من أبناء وطنه الجزية ، وكان يأخذ ممّن لم يكن موظّفا في الدّولة وعمره أكثر من عشرين عاما وأقلّ من خمسين عاما ، مبلغا سنويّا يتراوح بين 12 و 18 و 6 و 4 دراهم ، على أنّه ضريبة سنويّة على كلّ فرد . وقد كتبوا أنّ فلسفة هذه الضّرائب أو حكمتها هي الدّفاع عن موجوديّة الوطن واستقلاله وأمنه ، وهي وظيفة عامّة على جميع النّاس ، فبناء على ذلك متى ما قام جماعة فعلا بالمحافظة على الوطن ولم يستطع الآخرون أن يجنّدوا أنفسهم للدّفاع عن الوطن - لأنّهم يكتسبون ويتّجرون مثلا - فإنّ على الجماعة الثّانية أن تقوم بمصارف المقاتلين ، فتدفع ضرائب سنويّة للدّولة . وما لدينا من القرائن يؤيّد فلسفة الجزية ، سواء قبل الإسلام أو بعده . فمسألة السّنّ في من يعطي الجزية في عصر أنوشروان الّذي ذكرناه آنفا « وهي أنّ الجزية تقع على من عمره عشرون عاما إلى خمسين عاما » دليل واضح على هذا المطلب ، لأنّ أصحاب هذه المرحلة من العمر كانوا قادرين على حمل السّلاح ، والمساهمة في الحفاظ على أمن البلاد ، إلّا أنّهم كانوا يدفعون الجزية لأعمالهم وكسبهم . والشّاهد الآخر على ذلك : أنّه لا تجب الجزية « في الإسلام » على المسلمين ، لأنّ الجهاد واجب عليهم جميعا ، وعند الضّرورة يجب على الجميع أن يتّجهوا نحو ساحات القتال ليقفوا بوجه العدوّ ، إلّا أنّه لمّا كانت الأقلّيّات المذهبيّة غير مفروض عليها الجهاد ، فعليها أن تدفع المال مكان الجهاد ، ليكون لهم نصيب في الدّفاع عن الوطن الّذي يتمتّعون بالحياة فيه ، وحفظه . ثمّ إنّ سقوط الجزية عن الأطفال والشّيوخ والمقعدين والنّساء والعمي ، دليل آخر على هذا الموضوع . ممّا ذكرناه يتّضح أنّ الجزية إعانة ماليّة فحسب ، يقدّمها أهل الكتاب إزاء ما يتحمّله المسلمون من مسؤوليّة في الحفاظ عليهم وعلى أموالهم . فبناء على ذلك فإنّ من يزعم أنّ الجزية نوع من أنواع حقّ التّسخير ، لم يلتفت إلى روحها وحكمتها وفلسفتها ، فهو لم يلتفت إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ أهل الكتاب متى دخلوا في أهل الذّمّة ، فإنّ الحكومة الإسلاميّة يجب عليها أن ترعاهم وتحافظ عليهم ، وتمنعهم من كلّ أذى أو سوء . ومع ملاحظة أنّ أهل الذّمّة عند دفعهم الجزية ، بالإضافة إلى أنّها تمنحهم حقّ التّمتّع بالحياة مع المسلمين في أمن وصون ، فليس عليهم أيّ تعهّد من المساهمة في القتال مع المسلمين وفي جميع الأمور الدّفاعيّة ، ويتّضح أنّ مسؤوليّتهم إزاء الحكومة الإسلاميّة أقلّ من المسلمين بمراتب . أي إنّهم يتمتّعون بجميع المزايا في الحكومة الإسلاميّة ، بدفعهم مبلغا ضئيلا ، ويكونون سواء هم والمسلمون ، في حين أنّهم - في غير هذه الصّورة - لا قدرة لهم بوجه الحوادث والأمور الأخرى .

--> ( 1 ) المقصود من « لا نقطع بذلك » أي لا نقطع أنّه أوّل من أخذ ، وليس المقصود منه « الجزية » فهي مقطوع بها .